أبرز النقاط
- 16% فقط من الكوريين الجنوبيين يشعرون بالقلق من الذكاء الاصطناعي مقابل 50% من الأمريكيين
- الحكومة الكورية تستهدف أن تصبح البلاد ضمن أكبر ثلاث قوى عالمية في الذكاء الاصطناعي
- سوق الذكاء الاصطناعي الكوري قد يصل إلى 175.8 مليار دولار بحلول 2033
حين تهبط في مطار سيول، يستقبلك نظام هجرة آلي يمسح وجهك وجواز سفرك دون تدخل بشري. وفي مترو الأنفاق، تجد الركاب منغمسين في هواتفهم المتصلة بشبكة 5G مثالية حتى تحت الأرض، بينما تمر القطارات أمام شاشات LED تحتفي بأعياد ميلاد نجوم K-pop. هذا المشهد اليومي يلخص سبب تصدُّر كوريا الجنوبية العالم في تبني الذكاء الاصطناعي: بنية تحتية رقمية متقدمة، وحماس شعبي استثنائي، وإرادة حكومية لا تتردد.
ما الذي يجعل الكوريين أكثر تفاؤلاً بالذكاء الاصطناعي؟
بينما تتصاعد موجة الشكوك تجاه الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة وأوروبا، تُظهر كوريا الجنوبية صورة مغايرة تماماً. وفقاً لاستطلاع Pew Research، فإن 16% فقط من الكوريين يشعرون بقلق يفوق حماسهم للتقنية، مقارنة بـ50% من الأمريكيين. وتشير استطلاعات وزارة الثقافة والرياضة والسياحة الكورية وغرفة التجارة والصناعة إلى أن غالبية الكوريين يستخدمون الذكاء الاصطناعي يومياً، سواء كمساعد شخصي أو لإنجاز مهام العمل.
هذا التفاؤل ليس عفوياً، بل نتاج هندسة اجتماعية واقتصادية ممنهجة. يوضح تشي هيونغ جيون، أستاذ سياسات العلوم والتكنولوجيا في المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا (KAIST)، أن الحكومة صنّفت الثورة الصناعية الرابعة المدعومة بالذكاء الاصطناعي مساراً وطنياً للمستقبل، واستثمرت فيه بقوة. ويضيف أن المواطنين تلقوا رسائل متواصلة من الدولة حول قدرة الذكاء الاصطناعي على صنع مستقبل أفضل.
كيف تحولت كوريا من دولة فقيرة إلى قوة تقنية؟
نهضت كوريا الجنوبية من رماد الحرب الكورية عبر موجات تقنية متتالية: الصلب والسفن في السبعينيات، ثم أشباه الموصلات في الثمانينيات، فالنطاق العريض في التسعينيات، والهواتف الذكية في الألفية الثالثة. واليوم، تُزوّد Samsung وSK Hynix معظم العالم برقائق الذاكرة عالية النطاق (HBM) التي تُشغّل أجهزة Nvidia المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً.
يدور الاقتصاد الكوري حول هذين العملاقين: ارتفع مؤشر Kospi الرئيسي إلى مستويات قياسية في 2026، مدفوعاً بأسهم الشركتين اللتين تجاوزت قيمة كل منهما تريليون دولار. هذا الارتباط الوثيق بين الازدهار الوطني والتفوق التقني يُفسّر الإجماع الشعبي على أن التكنولوجيا ليست رفاهية، بل ضرورة وجودية.
ما استراتيجية الحكومة للوصول إلى قمة الذكاء الاصطناعي العالمي؟
تعهّد الرئيس لي جيه ميونغ، بعد توليه المنصب في 2025، بدفع كوريا إلى مصاف أكبر ثلاث قوى في الذكاء الاصطناعي إلى جانب الولايات المتحدة والصين. وأطلق المجلس الرئاسي لاستراتيجية الذكاء الاصطناعي الوطنية لتأمين قدرات حوسبة ضخمة، إضافة إلى مشروع نموذج أساس سيادي يموّل الشركات الكورية لتطوير نماذج محلية.
- إعفاءات ضريبية سخية وتمويل منخفض الفائدة لدعم Samsung وSK Hynix
- قانون الذكاء الاصطناعي الأساسي (AI Basic Act) الصادر عام 2024، من أوائل القوانين الشاملة عالمياً
- توجه تنظيمي يُعطي الأولوية لتسريع التطوير على حساب اشتراطات السلامة الصارمة
- نشر كتب مدرسية مدعومة بالذكاء الاصطناعي في المدارس، وروبوتات رعاية المسنين في مراكز الرفاه
وفقاً لمؤشر Stanford للذكاء الاصطناعي 2026، يرى 70% من الكوريين أن تعزيز الابتكار في العلوم والطب عبر الذكاء الاصطناعي أولوية تفوق حماية الصناعات بالتنظيمات. وصنّف المؤشر ذاته كوريا الجنوبية في المرتبة الثالثة عالمياً من حيث عدد نماذج الذكاء الاصطناعي البارزة.

ما النقاط العمياء في هذا الحماس التقني؟
يحذر خبراء من أن التركيز الأحادي على التسريع قد يُهمّش التفكير النقدي في التأثيرات المجتمعية الأوسع. تشير نقاشات على منصات مثل Reddit وHacker News إلى ما يُسمّى "مفارقة التحول": المواطنون يستمتعون براحة الحياة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، لكنهم يشعرون بقلق متصاعد من إزاحة الوظائف وانتشار المحتوى الرديء المُولَّد آلياً.
تصف الدكتورة كيم سو يون، عالمة الاجتماع في جامعة كوريا، هذه الحالة بـ"الإحساس الثقافي المُلحّ" بأن التأخر في التكيف يعني التقادم على المستوى الشخصي والوطني. هذا الضغط النفسي قد يدفع نحو تبنٍّ متسرع دون تقييم كافٍ للمخاطر.
ماذا يمكن أن تتعلمه دول الخليج من التجربة الكورية؟
تتشارك كوريا الجنوبية ودول الخليج سمات جوهرية: اقتصادات تسعى للتنويع بعيداً عن مصدر دخل واحد، وحكومات تقود التحول الرقمي بإرادة سياسية واضحة، وبنية تحتية اتصالات متقدمة. رؤية السعودية 2030 ومئوية الإمارات 2071 تتبنيان منطقاً مشابهاً: التكنولوجيا محرك للتحديث الوطني لا ترف قطاع خاص.
لكن الدرس الكوري يحمل تحذيراً أيضاً: الحماس المُهندَس يحتاج موازنته بحوار مجتمعي حول العدالة الخوارزمية، وحماية الوظائف، وجودة المحتوى الرقمي. التبني السريع ليس غاية بذاته، بل وسيلة لتحقيق رفاهية مستدامة.
رأي Logicity
تُثبت التجربة الكورية أن الإرادة السياسية والاستثمار المركّز يمكن أن يصنعا قوة ذكاء اصطناعي عالمية في عقد واحد. لكن غياب نقاش عام حول المخاطر قد يُحوّل التفاؤل إلى قلق مكبوت ينفجر لاحقاً. على صانعي السياسات في الخليج الاستفادة من الزخم الكوري مع بناء آليات حوكمة تضمن توزيعاً عادلاً لمكاسب الذكاء الاصطناعي.
الأسئلة الشائعة
لماذا يثق الكوريون الجنوبيون بالذكاء الاصطناعي أكثر من الغربيين؟
يعود ذلك إلى تاريخ طويل من التحولات التقنية الناجحة، ورسائل حكومية متواصلة تربط التكنولوجيا بالازدهار الوطني، وبنية تحتية رقمية تجعل التقنية جزءاً سلساً من الحياة اليومية.
ما أبرز الشركات الكورية في سلسلة إمداد الذكاء الاصطناعي؟
Samsung وSK Hynix تُنتجان معظم رقائق الذاكرة عالية النطاق (HBM) التي تُشغّل أجهزة Nvidia المستخدمة في تدريب النماذج الكبرى.
هل تُنظّم كوريا الجنوبية الذكاء الاصطناعي؟
نعم، أصدرت قانون الذكاء الاصطناعي الأساسي عام 2024، لكنه يُعطي الأولوية لتسريع التطوير مع ضوابط خفيفة، على عكس النهج الأوروبي الأكثر تشدداً.
ما حجم سوق الذكاء الاصطناعي الكوري المتوقع؟
تُقدّر التوقعات وصوله إلى 175.8 مليار دولار بحلول 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 41%.
هل تحتاج مساعدة في التطبيق؟
إذا كنت تخطط لبناء استراتيجية ذكاء اصطناعي مستوحاة من النموذج الكوري أو تحتاج استشارة في تبني التقنية على مستوى مؤسستك، تواصل مع فريق Logicity للحصول على دعم متخصص.
فاطمة الزهراء
كاتبة تقنية متخصصة في الذكاء الاصطناعي
أُنتِج هذا المقال بمساعدة الذكاء الاصطناعي وراجعه فريق التحرير في لوجيسيتي. اعرف المزيد في سياسة التحرير.







